الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
انوار الأصول
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ » وقوله : « إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ » » « 1 » . فالظاهر من هذا الحديث والآيات التي استشهد بها فيه اختصاص رفع المؤاخذة أيضاً بهذه الامّة . إن قلت : العقل حاكم بقبح المؤاخذة على الخطأ والإكراه والاضطرار والنسيان وغيرها ممّا هو خارج عن طاقة الإنسان من دون فرق بين الأمم . قلنا : المعروف في الجواب عن هذا الإشكال أنّ الخطأ والنسيان مثلًا على قسمين : قسم لا يكون الإنسان قادراً على الاجتناب عنه بوجه من الوجوه ، فهذا القسم مرفوع عن جميع الأمم ، وقسم آخر يمكن التحفّظ عنه بالمراقبة وإن كان ذات مشقّة ، فهذا القسم لا تكون المؤاخذة عليه قبيحاً ، ورفع المؤاخذة عنه امتناناً مختصّ بهذه الامّة ، وهو المراد في حديث الرفع كما يدلّ عليه نفس طلب النبي صلى الله عليه وآله إيّاه في ليلة المعراج ، وإلّا كان طلبه صلى الله عليه وآله تحصيلًا للحاصل . بقي هنا شيء : وهو أنّه هل يشمل حديث الرفع الأجزاء والشرائط والموانع أو لا ؟ فإذا طرأ النسيان على السورة مثلًا فلم يأت بها فهل تكون الصّلاة صحيحة بمقتضى حديث الرفع أو لا ؟ التحقيق في الجواب أن يقال : إنّ الشبهة تارةً تكون بنحو الشبهة الموضوعيّة كما إذا نسي السورة مع علمه بوجوبها ، وأخرى تكون بنحو الشبهة الحكميّة كما إذا كان المكلّف حديث العهد بالإسلام فنسى أصل وجوب السورة ، فإن كانت الشبهة موضوعيّة فشمول الحديث لها مبنى على جريانه في الأحكام الوضعيّة إذ إنّ الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة من الأحكام الوضعيّة ، وقد مرّ جريانه فيها ، وإن كانت حكميّة فشمول الحديث لها مبنى على جريانه في الشبهات الحكميّة ، وقد مرّ عدمه بناءً على ما اخترناه من أنّ المراد من الموصول في « ما لا يعلمون » الفعل المجهول ، فلا بدّ في شموله للشبهة الحكميّة من تقدير الحكم ( أي ما لا يعلمون حكمه ) وهو خلاف الظاهر .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 11 ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، ح 2 .